أبي حيان الأندلسي
551
البحر المحيط في التفسير
فعل تقديره لكم ميعاد ، أعني يوما ، وأريد يوما من صفته ، أعني كيت وكيت ، ويجوز أن يكون انتصابه على حذف مضاف ، ويجوز أن يكون الرفع على هذا للتعظيم . انتهى . لما جعل الميعاد ظرف زمان ، خرج الرفع والنصب على ذلك ، ويجوز أن يكون انتصابه على الظرف على حذف مضاف ، أي إنجاز وعد يوم من صفته كيت وكيت . وقرأ عيسى : ميعاد منونا ، ويوم بالنصب من غير تنوين مضافا إلى الجملة ، فاحتمل تخريج الزمخشري على التعظيم ، واحتمل تخريجا على الظرف على حذف مضاف ، أي إنجاز وعد يوم كذا . وجاء هذا الجواب على طريق التهديد مطابقا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت ، وأنهم مرصدون بيوم القيامة ، يفاجئهم فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه . واليوم : يوم القيامة ، وهو السابق إلى الذهن ، أو يوم مجيء أجلهم عند حضور منيتهم ، أو يوم بدر ، أقوال . و لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ : يعني الذي تضمن التوحيد والرسالة والبعث المتقدم ذكرها فيه . وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ : هو ما نزل من كتب اللّه المبشرة برسول اللّه . يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب ، فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، في كتبهم ، وأغضبهم ذلك ، وقرنوا إلى القرآن ما تقدم من كتب اللّه في الكفر ، ويكون الَّذِينَ كَفَرُوا مشركي قريش ومن جرى مجراهم . والمشهور أن بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ : التوراة والإنجيل وما تقدم من الكتب ، وهو مروي عن ابن جريج . وقالت فرقة : بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ : هي القيامة ، قال ابن عطية : وهذا خطأ ، قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة ، وأنه المتقدم في الزمان ، وقد بيناه فيما تقدم . انتهى . وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ : أخبر عن حالهم في صفة التعجب منها ، وترى في معنى رأيت لإعمالها في الظرف الماضي ، ومفعول ترى محذوف ، أي حال الظالمين ، إذ هم مَوْقُوفُونَ . وجواب لو محذوف ، أي لرأيت لهم حالا منكرة من ذلهم وتخاذلهم وتحاورهم ، حيث لا ينفعهم شيء من ذلك . ثم فسر ذلك الرجوع والجدل بأن الأتباع ، وهم الذين استضعفوا ، قالوا لرؤسائهم على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم : لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ : أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر . وأتى الضمير بعد لولا ضمير رفع على الأفصح . وحكى الأئمة سيبويه والخليل وغيرهما مجيئه بضمير الجر نحو : لولاكم ، وإنكار المبرد ذلك لا يلتفت إليه . ولما كان مقاما ، استوى فيه المرءوس والرئيس . بدأ الأتباع بتوبيخ مضليهم ، إذ زالت عنهم رئاستهم ، ولم يمكنهم أن ينكروا أنهم